محمد بن محمد ابو شهبة

125

المدخل لدراسة القرآن الكريم

لم يسمعه هو . ويحتمل أيضا : أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك ؛ فيظن أنها آخر ما نزل في الترتيب . ومرد هذا التوفيق بين الأقوال إلى غلبة الظن ، والاجتهاد من القائل بناء على ما سمعه أو شاهده من قرائن ، وقد لا يوافق الظن والاجتهاد الواقع ونفس الأمر ، وقد تركنا صاحب هذا الرأي بين جملة من الاحتمالات ، من غير أن يقطع برأي . ويقرب من هذا الرأي في التوفيق ما ذهب إليه « البيهقي » أيضا حيث قال : « يجمع بين هذه الاختلافات - إن صحت - بأن كل واحد أجاب بما عنده » . 4 - التنبيه إلى خطأ مشهور من الأخطاء المشهورة على ألسنة العامة ، وبعض الخاصة « 1 » ما يزعمونه من أن قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ( 3 ) [ المائدة : 3 ] هي آخر ما نزل من القرآن ، فإنها تدل على إكمال الدين ، في ذلك اليوم المشهود ، الذي نزلت فيه ، وهو يوم « عرفة » في حجة الوداع ، وكان يوم جمعة ، ففهموا منه أن إكمال الدين لا يكون إلا بإكمال نزول القرآن الكريم . والحق : أن هذا الزعم غير صحيح ، ولم يقل أحد قط من العلماء إنها آخر ما نزل من القرآن ، والإمام السيوطي ، وهو الباقعة الذي لا يخفى عليه قول ، سرد الأقوال في آخر ما نزل ، ولم ينقل عن أحد مثل هذا القول بل نبه على خطئه ، وزيفه « 2 » .

--> ( 1 ) وقع في هذا الخطأ بعض المؤلفين في تاريخ التشريع الإسلامي كالأستاذ الشيخ الخضري - رحمه اللّه - وتابعه بعض المؤلفين في كليات : الشريعة ، والحقوق . ( 2 ) الإتقان ج 1 ص 26 - 28 .